السيد محمد بيرم الخامس التونسي

95

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

الوهاب « 1 » الذين ظهروا في أوائل القرن الثالث عشر ، ناشرين دعوة شيخهم محمد بن عبد الوهاب حيث كان مدعيا بحفظ السنة وإبطال البدعة فتجاوز الحدود حتى منع المباح ، وقويت شوكته وكثرت أتباعه حتى تسلط على الحرمين الشريفين وقطعة من العراق إلى كربلا ومسجد علي ، وخرّبه وهدم البناآت على القبور وأزال الكتابات التي عليها ، وأراد أن يحمل الناس على الاتباع حتى في العادات والأحوال الدنيوية وإن اختلف الأعصار ولم يتقيد بمذهب خاص بل أنه يدعي العمل بالحديث على مقتضى ما يفهمه ، وسيأتي ما يتعلق بهاته المسألة في فصل من المقصد عند الكلام على رجوعي من السفر الأول إلى باريس ، وملخص الكلام أن هاته الفرقة تجاوزت المقصد الصحيح في الدين الذي ينبغي التيقظ إليه وإن كانت تدّعيه ، كما أن بعض الرادين عليها تجاوزوا حدّ ما ينبغي وخرجوا أعمالها كلها عن حدود الشرع ، بل كادوا أن ينسبوها للكفر وقد ألفت تآليف كثيرة في الردّ على مذهبهم من علماء مصر وتونس وغيرهم « 2 » .

--> ( 1 ) هو من أهل القرن الثاني عشر الهجري ، ظهر بدعوة ممزوجة ، بأفكار منه زعم أنها من الكتاب والسنة ، وأخذ ببعض بدع تقي الدين أحمد بن تيمية فأحياها ، وهي تحريم التوسل بالنبي - وتحريم السفر لزيارة قبر الرسول وغيره من الأنبياء والصالحين بقصد الدعاء هناك رجاء الإجابة من اللّه ، وتكفير من ينادي بهذا اللفظ : يا رسول اللّه أو يا محمد أو يا علي أو يا عبد القادر أغثني إلا للحي الحاضر ، وإلغاء الطلاق المحلوف به مع الحنث وجعله كالحلف باللّه في إيجاب الكفارة ، وعقيدة التجسيم في اللّه والتحيز في جهة . وابتدع من عند نفسه : تحريم تعليق الحروز التي ليس فيها إلا القرآن وذكر اللّه ، وتحريم الجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان . وأتباعه يحرمون الاحتفال بالمولد الشريف خلافا لشيخهم ابن تيمية . وفي تاريخ مفتي مكة أحمد زيني دحلان تحت فصل فتنة الوهابية ما نصه : « كان في ابتداء أمره ( أي عبد الوهاب ) من طلبة العلم في المدينة المنورة . . . وكان أبوه رجلا صالحا من أهل العلم وكذا أخوه الشيخ سليمان ، وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما يشاهدونه من أقواله وأفعاله ونزغاته في كثير من المسائل ، وكانوا يوبخونه ويحذرون الناس منه فحقق اللّه فراستهم فيه لما ابتدع ما ابتدعه من الزيغ والضلال الذي أغوى به الجاهلين وخالف فيه أئمة الدين . وزعم محمد بن عبد الوهاب أن مراده بهذا المذهب الذي ابتدعه إخلاص التوحيد والتبري من الشرك ، وأن الناس كانوا على الشرك منذ ستمائة سنة وأنه جدد للناس دينهم . وكان محمد بن عبد الوهاب الذي ابتدع هذه البدع يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة : ومن توسل بالنبي فقد كفر . وكان أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب من أهل العلم فكان ينكر عليه إنكارا شديدا في كل ما يفعله أو يأمر به ولم يتبعه في شيء مما ابتدعه ، وقال له أخوه سليمان يوما ، كم أركان الإسلام يا محمد ؟ فقال خمسة : فقال : أنت جعلتها ستة السادس : من لم يتبعك فليس بمسلم هذا عندك ركن سادس للإسلام . وقال رجل آخر يوما لمحمد بن عبد الوهاب : كم يعتق اللّه كل ليلة في رمضان ؟ فقال له : يعتق في كل ليلة مائة ألف وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله ، فقال له : لم يبلغ من اتبعك عشر عشر ما ذكرت فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم اللّه تعالى وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن اتبعك ، فبهت الذي كفر . ( 2 ) ألف كثير من علماء الحنابلة وغيرهم رسائل في الرد عليه . وكان أخوه سليمان قد ألف رسالة في الرد -